سعيد حوي

73

الأساس في التفسير

ولكن الله أكبر ، والله محيط بهم وبأعمالهم ، وهو يتولى أمر المؤمنين ، ويدافع عنهم ، ويعاقب هؤلاء وينتقم منهم . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ، فهذا تطمين للمؤمنين وتهديد للمنافقين والمعنى أنه تعالى مجازيهم جزاء الاستهزاء ومعاقبهم عقوبة الخداع . قال ابن كثير نقلا عن ابن جرير : « لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله عزّ وجل بالإجماع ، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك » . فيملي لهم تعالى ويزيدهم من نعمه على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم ؛ ليستمروا في طغيانهم يترددون ؛ فتقوم عليهم الحجة باستحقاقهم عقوبة الدنيا والآخرة . والطغيان : مجاوزة الحد والإمداد : الإملاء ، والعمة : هو الضلال والضياع ، وقال بعضهم العمى في العين والعمة في القلب . ثم بين الله عزّ وجل واقع هؤلاء المنافقين الذين بدأ الكلام عنهم بقوله وَمِنَ النَّاسِ فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ بين الله عزّ وجل في هذه الآية : أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال ، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة ، أي بذلوا الهدى الذي هو الإيمان ثمنا للضلالة التي هي الكفر ، سواء في ذلك من كان منهم حصل له الإيمان ثم رجع إلى الكفر ، أو من كان منهم استحب الضلالة على الهدى ، دون أن يكون الإيمان قد أصاب قلوبهم من قبل مع تظاهر الجميع بالإيمان ؛ فما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ، وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك . قال قتادة : « قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة » ، فليحصلوا ما حصلوا من أمر الدنيا فإنهم الخاسرون . وبعد هذا البيان عن حقيقة المنافقين وبعد أن أعطانا الله عزّ وجل نماذج من أقوالهم ومواقفهم نعرفهم بها ، يضرب الله لنا مثلين نعرف بهما حال المنافقين معرفة تامة : المثل الأول : لنوع من المنافقين وصلوا إلى النفاق الخالص بعد أن كانوا مؤمنين . والمثل الثاني : لنوع من المنافقين لا زالوا مترددين ، الأولون لم يعد فيهم أمل للرجوع إلى الإيمان ، أما الآخرون فلم يقنطوا ، وبعض المفسرين اعتبر المثلين لنوع واحد ، وهذا خطأ ، لأن أهل المثل الأول قال الله عنهم ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ، وقال صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ بينما قال عن الآخرين كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ، وابن كثير وضح